Twitter
Facebook

كتبت سميرة أوشانا

من منّا لا يعرف سيرة القديس شربل، أو لم يتمنَّ يوماً أن يتمثّل بإيمانه وتواضعه؟ هذا القديس الذي جابت عجائبه العالم، في حياته وبعد مماته، وبقيت سيرته مصدر إلهام للمؤمنين، على اختلاف بلدانهم وثقافاتهم.

على الرغم من انتشار سيرة مار شربل ومعرفة كثيرين بمحطات حياته، فإن فيلم “شربل”، من إنتاج وإخراج نديم مهنا وكتابة كلوديا مارشليان، يضيء على جوانب إنسانية وروحية تستحق التوقف عندها. وقد وصف مهنا مارشليان بأنها رفيقة النجاح، في شهادة تعكس الانسجام الذي جمعهما في هذا العمل.

لم تكن مواقع التصوير بين بقاعكفرا ووادي قاديشا والمحبسة وعدد من القرى اللبنانية مجرد خلفيات للأحداث، بل بدت شريكة أساسية في البطولة. فهذه الأماكن الهادئة، الصامتة كصمت القديس، رافقت دروب شربل الوعرة، غير المعبّدة، والمزروعة بالأشواك والمحاطة بالوديان؛ هناك، حيث يسكن الله في روح الإنسان، ويواجه الخيرُ الشرَّ في صراع لا ينتهي بين صفاء الروح وإغواءات الشرير.

وقد تجسّد هذا الصراع في مشهد جمع جيري غزال بالممثل سليم حلال، في أداء لافت نقل المواجهة الروحية إلى الشاشة بصدق وقوة.

رندة كعدي… مشهد من الإيمان والطاعة

شارك في العمل ممثلون محترفون، لكنني سأبدأ بالمشهد الملكي للممثلة القديرة رندة كعدي، التي خطفت الأنظار والمشاعر في مشهدٍ يكاد يكون لوحة مرسومة بحروف الإيمان والطاعة.

إنه المشهد الذي يجمعها بابنها شربل، فيما يفصل بينهما حائط، وكأن هذا الحاجز لا يفصل جسدين فحسب، بل يجسّد أيضاً صراع الأم بين عاطفتها الإنسانية وإيمانها بمشيئة الله.

حلّقت رندة، كعادتها، في ملعبها الذي تتقن أسراره، وأبدعت إلى حدّ أنها أعادتني إلى صورة مريم العذراء، التي كانت تعلم أن ابنها يسوع سيتألّم، لكنها رضخت لمشيئة الرب.

هكذا كانت رندة كعدي في دور والدة شربل؛ تتألّم لفراق ابنها، لكنّ تسليمها بمشيئة الله كان أقوى من رغبتها في الاحتفاظ به إلى جانبها. تركته ورحلت، وعلى وجهها علامة رضا تختصر وجع الأم وإيمانها معاً.

كارول الحاج ورندة كعدي… شخصية واحدة بوجهين

كان اختيار كارول الحاج لتجسيد شخصية والدة شربل في شبابها، ورندة كعدي لتجسيدها في مرحلة متقدمة من العمر، اختياراً ذكياً. فهناك انسجام واضح بين الممثلتين، وكأن كارول هي رندة في مرحلة الشباب، من حيث الانفعالات والتعبير عن المشاعر.

لكن ابتسامة كارول الحاج بدت لي أقرب إلى الابتسامة الهوليوودية، ولم تنسجم تماماً مع طبيعة الشخصية والحقبة الزمنية التي تدور فيها الأحداث. وكان من الضروري، في رأيي، أن يمنحها الماكياج ملامح أكثر إقناعاً، تعكس أثر الزمن على الوجه؛ فالملابس وحدها لا تكفي، إذ لا بدّ من أن تترك الحقبة بصمتها على الملامح أيضاً.

ومع ذلك، أبكتني كارول في مشاهد عدة، أبرزها مشهد اكتشافها خسارة ابنتها. كان المشهد فاجعة بكل ما للكلمة من معنى، وجاء أداؤها بحجم المأساة، صادقاً وموجعاً.

حين يصدّقك المشاهد… تكون قد وصلت

ومن الأمور التي أعجبتني في الفيلم، حركة التسليم والتسلّم بين الممثلين الذين جسّدوا مراحل حياة شربل المختلفة. كانت فكرة جميلة ومبتكرة من المخرج، ساهمت في ربط المراحل العمرية للشخصية بسلاسة، ومنحت انتقالها من ممثل إلى آخر دلالة تتجاوز مجرد التغيير الشكلي.

كما فرحت بعودة الممثل طوني معلوف، الذي جسّد دور القديس نعمة الله. كنت أتمنى لو مُنح مساحة أكبر في العمل، فتعابير وجهه وحدها كفيلة بإيصال أعمق الرسائل. إنه ممثل مصقول، يمتلك خامة ذهبية، وأتمنى أن نراه مجدداً في أدوار جديدة، لأنه أكثر من ممتاز.

أما ألكو داوود، فقد أتقن دور العم الذي ينتمي إلى زمن متحجّر، فيما أدّى يوسف حداد دور الكاهن من دون أي هفوة تُذكر. إنه ممثل مطواع، قادر على تبديل جلده من شخصية إلى أخرى، حتى إن أدواره تترسّخ في الذاكرة بعد انتهاء المشاهدة.

لكن، ظهور الكاتبة والممثلة كلوديا مرشليان في مشهد جمعها بشخصية القديسة رفقا، فكان لقطة ذكية وموفّقة، بدت كأنها تمهيد لعمل منتظر يستحق الترقّب.

كذلك، لفتني أداء يارا زخور في دور شقيقة شربل. وأعترف أنني كنت أجهل أن للقديس شقيقة، وأنها كانت تشبهه في روحانيتها. لكنني شعرت بأن هذه الشخصية مُنحت مساحة أكبر مما تستدعيه، في حين بدت مساحة الأب حرديني  محدودة. وكنت أتمنى لو أُتيح للأب حرديني حضور درامي أوسع، بما يحقق توازناً أكبر بين الشخصيات، ويسمح بإضاءة جوانب أخرى من حياة القديس.

أما الملاحظة التي أزعجتني، فكانت اللحى، ولا سيما لحيتَي الممثلين نقولا دانيال وأسعد رشدان، إذ لم تبدوا مقنعتين بما يكفي في سياق الحقبة الزمنية التي تدور فيها الأحداث.

وكان من الأجدى الاستعانة بمتخصصين في تصميم اللحى وتنفيذها بطريقةٍ أكثر احترافية، بما يضفي على الشخصيات مزيداً من الواقعية.

باختصار، كان أداء الممثلين جيداً جداً، مع تفاوت طبيعي بين الأدوار ومستويات الأداء، لكن الجميع أدّى دوره بإتقان، وأسهم في بناء الصورة العامة للعمل.

غير أن التصفيق الأكبر، بالنسبة إليّ، كان من نصيب الأب روكز الحاج، الذي جسّد شخصية شربل في مراحله الأخيرة.

لقد صدّقته، وآمنت به. كنت أبتسم حين يبتسم، وأهدأ حين يصمت، وأصغي باهتمام إلى صوته الخافت. كان في حضوره ما يجعل المشاهد يشعر بأنه أمام شربل، لا أمام ممثل يؤدي دور قديس.

كل ما فيه كان يقول لنا: “صدّقوني، أنا شربل”.

هل خرجت من الصالة كما دخلتها؟

بالطبع، لا.

وهنا أريد أن أعترف بسرّ قد لا يكون سرّاً، لأنني سبق أن ناقشته مع أحد الكهنة.

قلت له يومها: “أنا زعلانة من مار شربل. ليش ما عمل أعجوبة مع أختي وشفاها من المرض، مع إنه كتير ناس محبّين كانوا عم يصلّوا ويطلبوا شفاءها؟.”

أخبرته قصتي، لكنني لم أكن أفهم، في ذلك الوقت، ما الذي يمكن أن تعنيه رسالة مار شربل بالنسبة إليّ.

منذ نحو سنة، استيقظت أختي في أحد أيام الآحاد، وهي مفعمة بالحماس، وطلبت أن نزور كنيسة مار شربل في مدينة سيدني الأسترالية. وعلى الرغم من إقامتها الطويلة في سيدني، فإنها لم تكن قد زارت الكنيسة من قبل.

سألتها: “مين بدّه يروح؟”.

فأجابت: “كلّنا”.

فرحنا كثيراً، كالأطفال الصغار الذين ينتظرون عيد الشعانين. كنّا نتهيّأ للزيارة بفرح كبير، وكأننا على موعد مع حدث استثنائي، وكنّا جميعاً ننتظر معجزة من مار شربل.

فأختي، رغم بعدها عن لبنان، لم تكن تطلب منّا سوى البخور ومسبحة من مار شربل في عنايا، وكأن قلبها ظلّ معلّقاً بذلك المكان، مهما ابتعدت المسافات.

أمضينا نهار الأحد في الكنيسة، وصلّينا وفرحنا بهذه الخطوة التي حققتها أختي، بعدما كانت حالتها الصحية تتراجع يوماً بعد يوم.

وفي صباح الاثنين، استيقظت مرتاحة وسعيدة، وطلبت أن تستمع إلى أغاني فيروز. غمرتنا فرحة كبيرة، وتسلّل إلينا شعور بأن المعجزة باتت قريبة، وأن الأيام ربما تخبّئ لنا ما انتظرناه طويلاً.

لكن يوم الثلاثاء جاء مختلفاً. انتكست حالتها الصحية، وفارقت الحياة.

في تلك اللحظة، نظرت إلى صورة مار شربل المعلّقة على الحائط، وسألته بوجع:

“ليش؟ كانت صعبة عليك تشفيها؟ ليش خيّبتلي أملي؟”.

كان السؤال محمّلاً بعتب امرأة صلّت وانتظرت، وآمنت ورجت، لكنها وجدت نفسها أمام خسارة لم تكن مستعدة لها.

ومع مرور الوقت، بدأت أفهم الأمر بطريقة مختلفة. ربما لم تكن المعجزة التي انتظرتها هي المعجزة التي كانت أختي تتمناها.

فبعد ست سنوات من المعاناة، كانت أختي تردّد: “يا مار شربل، يا بتشفيني يا بتاخدني”.

ربما كانت، في عمق وجعها، تطلب الراحة قبل أي شيء آخر. وربما وجدت في إيمانها ملاذاً أخيراً، فيما بقيت أنا، بمحبة الأخت ووجع الفقد، أنتظر شفاءها وأتعلّق بأمل بقائها.

لا أملك جواباً قاطعاً، ولا أدّعي أنني فهمت سرّ ما حدث بالكامل. لكنني أدركت مع الوقت أن الإيمان لا يعفينا من الحزن، وأن الصلاة لا تعني دائماً أن تسير الأمور كما نشتهي، وأن بعض الأسئلة تبقى مفتوحة، حتى حين نحاول أن نتصالح مع ما حدث.

“مش أنا هو”… التواضع الذي يعبر القارات

ربما لهذا السبب خرجت من فيلم “شربل” وأنا أحمل إحساساً مختلفاً. لم يكن الأمر متعلقاً فقط بأداء الممثلين أو بجمال مواقع التصوير أو بنجاح العمل في استحضار شخصية القديس، بل بما حرّكه الفيلم في داخلي من أسئلة وذكريات ووجع وإيمان.

إن عبارة “مش أنا هو”، التي تختصر تواضع القديس وتجرّده من الأنا، بدت لي أكثر من مجرد كلمات. إنها تذكير بأن الإنسان، مهما بلغ شأنه، ليس محور الحكاية، وأن ما يبقى منه حقاً هو أثر المحبة والإيمان في نفوس الآخرين.

خرجت من الصالة وأنا أقول لنفسي: إذا كان لدينا قديسون مثل مار شربل، فلا يجب أن نخاف شيئاً.

الممثلون الذين شاركوا بهذا العمل: جيري غزال، الاب روكز الحاج، رندى كعدي، يوسف حداد، كارول الحاج، نقولا دانيال، اليكو داوود، طوني معلوف، يارا زخور، جان قسيس، جوزف ساسين، سليم حلال، لوكاس كفوري، جوزف الخوري، سمير عواد، أسعد حداد، عصام الأشقر، نزيه يوسف، ميشال أدباشي،أسعد رشدان، ميرانا النعيمي، كريستا بسبوس، سنتيا موسى، أدون الخوري، كميل يوسف، نجيب أبي نادر، جو رميا.

العمل من إخراج نديم مهنا، سيناريو وحوار كلوديا مرشليان، الموسيقى التصويرية شربل روحانا.

اقرأ الآن