
في خطوة علميّة لافتة تُعيد الاعتبار إلى واحد من أبرز نصوص التراث الفكري العربيّ، صدرت حديثًا عن دار نشر الجامعة الأميركيّة في بيروت ضمن سلسلة الشيخ زايد للدراسات العربيّة والإسلاميّة طبعة جديدة محقّقة من كتاب “البشارة والنذارة في تعبير الرؤيا” لأبي سعد الخركوشيّ، وهو من أشهر مؤلّفات تفسير الأحلام التي نُسبت خطأً إلى محمّد بن سيرين على مدار عدّة قرون. ويأتي هذا الإصدار بعد نفاد الطبعة الأولى التي صدرت عام 2023 عن مركز أبوظبي للغة العربيّة، إثر إقبال واسع من الباحثين والقرّاء المهتمّين بالتراث.
الطبعة الجديدة، التي حقّقها كلٌّ من البروفيسور بلال الأرفه لي، أستاذ كرسي الشيخ زايد للدراسات العربية والإسلامية في الجامعة الأميركية في بيروت، والدكتورة لينا الجمّال، الباحثة في الدراسات العربية والإسلامية، تُمثّل أوّل تحقيق علميّ رصين للنصّ، استند إلى مقارنة دقيقة بين عدد من أقدم المخطوطات المتاحة. ويُعَدّ هذا الإنجاز تصحيحًا لمسار طويل من التداول غير الدقيق للكتاب، إذ ظلّ لعقود يُنشر في طبعات شعبيّة مليئة بالأخطاء، تعود جذورها إلى نشرة مطبعة بولاق في القرن التاسع عشر (1867م)، وهو ما أسهم في ترسيخ نسبته الخاطئة وتشويه بنيته النصّيّة.
وتندرج هذه الطبعة في إخراج فنّيّ أنيق يزاوج بين القيمة العلميّة والجماليّة، حيث يزيّن الغلافَ عملٌ فنّيٌّ بعنوان “ملكة الأحلام” للفنّان السوريّ محمود الداود، في إشارة رمزيّة إلى عالم الرؤى الذي يشكّل موضوع الكتاب.
يقع كتاب “البشارة والنذارة في تعبير الرؤيا” في 59 بابًا، تغطّي طيفًا واسعًا من الموضوعات والرموز، ما يجعله مرجعًا شاملًا في مجاله. وهو يمثّل مصدرًا فريدًا للتأريخ لعصره، يختلف عن مصادر التأريخ التقليديّة، لأنّه يتضمّن إشارات قيّمة إلى الحياة اليومية، بما في ذلك أنماط الطعام والعمارة والملابس والأدوات والأسلحة، فضلًا عن انعكاسات التصوّرات الاجتماعيّة المرتبطة بالجندر والزواج والميراث والسلطة السياسية والانقسامات المذهبيّة، وغير ذلك الكثير.
ويأتي هذا العمل ضمن مشروع بحثيّ أوسع يعمل عليه المحقّقان لإحياء كتب تفسير الأحلام في طبعات علميّة موثوقة. فقد سبق لهما تحقيق كتاب “تحفة الملوك في التعبير” لأبي أحمد خلف بن أحمد السجستانيّ، أحد أقدم النصوص في هذا المجال، كما يعملان حاليًّا على تحقيق كتاب “الممتّع في التعبير” لابن القصّار القيروانيّ، في مسعًى لإعادة بناء هذا الحقل المعرفيّ وإتاحته للدارسين وفق معايير علميّة حديثة.
ويؤكّد المحقّقان أنّ الهدف من تحقيق هذه الكتب ونشرها لا يقتصر على معرفة تأويل الأحلام فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى تمكين الباحثين من أدوات تحليليّة تساعدهم على قراءة النصوص التراثيّة في سياقاتها الثقافيّة والتاريخيّة. فهذه الكتب، في نهاية المطاف، ليست مجرّد أداة لتفسير الأحلام، بل هي مفاتيح لفهم عوالم كاملة من الفكر والخيال والتمثُّل في الحضارة العربيّة الإسلاميّة.






