Twitter
Facebook

أجرت المقابلة سميرة اوشانا

في بلدٍ أنهكته الأزمات والانقسامات، واختبرت فيه الحربُ قدرة اللبنانيين على التمسّك بوحدتهم، تعود نيبال عرقجي إلى الجمهور من خلال المسرح، بعد غياب طويل عن السينما فرضته الظروف الصعبة التي يعيشها لبنان. وفي مسرحيتها “الله يستر”، تطرح عرقجي مجموعة من القضايا الاجتماعية والوطنية الشائكة، وفي مقدّمها التنوّع الطائفي، وتقبّل الآخر، والزواج المدني، ودور التربية في بناء مجتمع أكثر انفتاحاً وتسامحاً.

استوحت عرقجي فكرة العمل من الفيلم الفرنسي Qu’est-ce qu’on a fait au Bon Dieu?، لكنها أعادت صياغتها بما يتناسب مع خصوصية المجتمع اللبناني وتعدّديته. وبين الكتابة والتمثيل، تستعيد عرقجي في هذا العمل أيضاً شيئاً من المبادئ الوطنية التي نشأت عليها في كنف عائلتها، مستحضرةً ذكرى والدها الراحل، الذي آمن بأن مصلحة البلد تعلو على الانتماءات الطائفية والدينية.

في هذا الحوار، تتحدّث نيبال عرقجي عن كواليس “الله يستر”، وأسباب اختيارها المسرح في هذه المرحلة، ورؤيتها لدور الفن في مواجهة التعصّب، كما تتناول أهمية التربية المنزلية في تشكيل وعي الأجيال الجديدة، وتكشف عن فكرة سينمائية تعمل عليها، من دون أن تفصح عن تفاصيلها في الوقت الراهن.

بعد غياب طويل عن السينما، فرضته الظروف الصعبة التي يعيشها لبنان، تعودين اليوم إلى الجمهور من خلال المسرح، مع مسرحية “الله يستر” التي انطلقت عروضها مطلع شهر تشرين الأول وشهدت إقبالاً لافتاً. حدّثينا عن هذا العمل، الذي استوحيتِ فكرته من الفيلم الفرنسي Qu’est-ce qu’on a fait au Bon Dieu?، ورأيتِ أنه يستحق تقديم نسخة لبنانية منه. ما الذي جذبكِ إلى هذه الفكرة، وكيف أعدتِ صياغتها بما يتناسب مع واقع المجتمع اللبناني؟

عندما شاهدت فيلم Qu’est-ce qu’on a fait au Bon Dieu?  قبل نحو 15 عاماً، فكّرت فوراً في أن تقديم فكرة مماثلة في لبنان سيكون أمراً جميلاً. طبعاً، يختلف مضمون الفيلم عن مسرحيتنا، فهو يتناول الصينيين واليهود وغيرهم، بينما نتحدث نحن عن اللبنانيين وعن كل ما يميّز مجتمعنا. وبسبب تعدّد الطوائف في لبنان وتنوّعها، شعرت بأن علينا تقديم عمل يتناول هذا الموضوع.

بدأت كتابة النص قبل نحو عشر سنوات، لكن الأحداث توالت في لبنان، من انفجار مرفأ بيروت إلى خسارة أموالنا في المصارف، فتركت النص جانباً لفترة. وبعد اندلاع الحرب الأخيرة، عدت إليه وأعدت صياغته ليتناسب مع المسرح. وشعرت بأن الوقت أصبح مناسباً لتقديمه، في ظل ما يشهده البلد من أزمات ومشكلات وانقسامات بين أبناء الوطن الواحد، ولا سيما في ما يتعلّق بأهل الجنوب. لذلك، قرّرت أن الوقت قد حان لعرض المسرحية، علّنا نتمكّن، قدر المستطاع، من توحيد اللبنانيين وتقريب وجهات النظر بينهم.

في ظل الظروف التي يمرّ بها لبنان، لماذا اخترتِ المسرح تحديداً للعودة إلى الجمهور، بدلاً من السينما؟ وهل وجدتِ في الخشبة مساحة أوسع للتعبير عن الأفكار التي تحملينها؟

كتبت النص ليكون مناسباً للمسرح، لأنني أشعر بأن السينما تموت تدريجياً، والناس لم يعودوا يقصدون الصالات كما في السابق. كذلك، أصبح تمويل الأفلام السينمائية أمراً صعباً، وحتى لو تمكّنت من تأمين التمويل، فقد لا أستطيع استرداد المبلغ المستثمر.

لذلك، وجدت أن كلفة الإنتاج المسرحي أقل من كلفة الفيلم السينمائي. لكن هذا لا يعني أن المسرح يتيح لي قول أشياء لا أستطيع قولها في السينما، بل على العكس، فأنا أطرح الأفكار نفسها، ولم يتغيّر شيء في هذا الجانب. الفارق الأساسي يكمن في الميزانية، إذ إن إنتاج مسرحية أسهل وأقل كلفة من إنتاج فيلم.

يلفت الانسجام الواضح بين الممثلين على خشبة المسرح، كما تبدو الرسالة التي يحملها العمل حاضرة بوضوح. كيف تصفين تجربتكِ ككاتبة في التعاون مع المخرج والممثلين؟ وإلى أي مدى أسهم هذا التفاهم في إيصال النص إلى الجمهور بالصورة التي أردتِها؟

التعامل مع المخرج والممثلين في المسرح لا يختلف، بالنسبة إليّ، عن التعامل معهم في السينما. كان الأهم بالنسبة إليّ أن يصل النص كما كتبته، وأن تُنقل الفكرة إلى الجمهور كما أردتها، وهذا ما حصل بالفعل.

لا أرى فرقاً جوهرياً في إدارة الممثلين بين المسرح والسينما، فالأمر متشابه إلى حدّ كبير. كانت تجربة جميلة جداً، ولا سيما أنها المرة الأولى التي أكتب فيها مسرحية، وقد كانت تجربة ناجحة بالنسبة إليّ.

يحضر والدكِ الراحل في المسرحية من خلال صورته والإشارة إليه ضمن النص. هل كان ذلك بمثابة تكريم لذكراه وللتربية الوطنية التي نشأتِ عليها؟ وكيف انعكست القيّم التي زرعها فيكِ على أفكار هذا العمل؟

أنا محظوظة لأنني نشأت في بيتٍ منفتح، وبين أهل رائعين. كان والدي، رحمه الله، رجلاً يفكّر في البلد قبل أي شيء آخر، فلم تكن الطائفة أو الدين يشكّلان أولوية بالنسبة إليه. كان يقول: “كل واحد دينه على راسنا، لكن ليترك إيمانه بينه وبين ربّه في المنزل”. كان همه الأساسي أن نعمل من أجل تحسين البلد وأن نؤمن به. وما وصلت إليه في حياتي هو نتيجة التربية التي تلقيتها من أهلي. وأتمنى أن يربّي جميع الأهل أولادهم بالطريقة التي تربّينا بها، فعندها سيكون بلدنا بألف خير.

أردت أن أقدّم لوالدي لفتة صغيرة، لأننا نشأنا على هذه المبادئ، ولأن شخصية جوزف في المسرحية، التي تحمل اسم صالح عرقجي، تجسّد المبادئ نفسها التي آمن بها والدي. أردت من خلال هذه الصورة أن أحيي ذكراه وأستعيد القيم التي زرعها فينا.

تحمل المسرحية رسائل اجتماعية تتصل بتقبّل الآخر والاختلاف. إلى أي مدى تؤمنين بقدرة المسرح والفن عموماً على إحداث تغيير حقيقي في المجتمع، أو على الأقل فتح باب النقاش حول القضايا التي نتجنّب مواجهتها؟

لن أقول إن هذا البلد سيتغيّر بفضل المسرحية، أو إن الناس سيصبحون أكثر تقبّلاً للزواج المدني ولكل القضايا التي تناولتها في العمل. لكننا نحاول، قدر المستطاع، طرح هذه المواضيع التي تهمّني، ومن المهم أن نتوقف عندها وأن نفتح باب النقاش حولها، لعلّنا نتمكّن من إحداث تغيير.

إذا خرج بعض المشاهدين من المسرحية وهم يقولون إن لديهم وجهة نظر مختلفة، وإنه ربما لا ينبغي التمسّك بالدين إلى هذا الحدّ، وإننا جميعاً لبنانيون وكان من الممكن أن يولد أيٌّ منا في طائفة مختلفة، فسيكون ذلك إنجازاً بالنسبة إليّ. ربما نتمكّن بهذه الطريقة من الحدّ من العنصرية والمشكلات التي تنشأ بسبب الاختلافات الطائفية.

إذا خرج شخص واحد فقط من المسرحية وهو يفكّر بطريقة مختلفة، أكون قد ربحت.

من خلال تجربتكِ ونظرتكِ إلى المجتمع اللبناني، ما الذي ينقصنا اليوم على مستوى التربية الوطنية والثقافة الاجتماعية، ولا سيما في ما يتعلق بتقبّل الآخر، سواء في انتمائه الديني أو الاجتماعي أو الثقافي؟

بالنسبة إليّ، يعود كل ذلك إلى التربية المنزلية. فلا أحد يولد وهو يكره الآخر بسبب دينه أو طائفته، لكنّه قد يكتسب هذا الكره إذا سمعه منذ صغره في المنزل. فكل شيء يبدأ من البيت، ومن الطريقة التي يربّي بها الأهل أولادهم.

أنا وُلدت سنّية، وكان من الممكن أن أولد شيعية أو مسيحية أو درزية، لكن ذلك لم يكن ليغيّر شيئاً فيّ، لا شكلي ولا عقلي ولا أي شيء آخر. لا أحد يختار الدين الذي يولد عليه، ولذلك أؤمن بأن التربية هي الأساس. فعندما يكون الأهل منفتحين، ينشأ جيل أكثر انفتاحاً وتقبّلاً للآخر.

لهذا، أدعو الجيل الجديد إلى التمسّك بهذه القيم، لأن تغيير قناعات بعض الكبار قد يكون صعباً، لكن الأجيال المقبلة قادرة على التعلّم والتغيير. لذا، أدعو المدارس الى مشاهدة المسرحية، وتعريف الشباب بأهمية التنوّع ونبذ التعصب.

ما الذي يميّز جمهور المسرح عن جمهور السينما، برأيكِ؟ وهل يمنح التواصل المباشر بين الممثل والمتفرّج التجربة المسرحية بُعداً مختلفاً في لبنان؟

بالتأكيد، جمهور المسرح أقل عدداً من جمهور السينما، فقد يشاهد الفيلم السينمائي مئة ألف شخص، بينما نعتبر أن المسرحية حقّقت نجاحاً إذا شاهدها ثلاثة أو أربعة آلاف شخص.

ربما لا تزال ثقافة ارتياد المسرح بحاجة إلى مزيد من الانتشار في لبنان، لكن مسرحية “الله يستر” حقّقت إقبالاً لافتاً، وربما يعود ذلك إلى طابعها الشعبي وموضوعها القريب من الناس. وقد وصل عدد مشاهديها إلى نحو عشرة آلاف، وهو رقم كبير جداً بالنسبة إلى المسرح.

أعتقد أن الناس بدأوا يرتادون المسرح تدريجياً، وخصوصاً عندما يلامس موضوع العمل اهتماماتهم ويجدون فيه ما يشبه واقعهم.

بعد “الله يستر”، هل تحضّرين لأعمال جديدة، سواء في المسرح أو السينما؟ وهل هناك مشاريع سينمائية مرتقبة يمكن أن تعيدكِ قريباً إلى الشاشة الكبيرة؟

على مستوى التمثيل، كان آخر عمل شاركت فيه العام الماضي مسلسل “مش مهم الاسم”، من إخراج ليال راجحة، وبطولة معتصم النهار.

أما في مجال الكتابة السينمائية، فلديّ فكرة أعمل عليها في ذهني، لكن المشروع ضخم ويحتاج إلى تمويل، كما أنني أريد عرضه في الخارج، لأن قصته ذات طابع عالمي. لا أريد الحديث عن تفاصيله في الوقت الراهن، لكن الفكرة موجودة، وآمل أن تتاح الظروف المناسبة لتنفيذها.

 

اقرأ الآن