
بدأ اليوم، 5 حزيران 2026، احتفال تخرّج الجامعة الأميركية في بيروت حيث وُزّعت شهادات الماجستير والدكتوراه الأكاديمية والدكتوراه الطبية على 756 طالبًا. كما منحت الجامعة أعلى درجة تقدير لديها وهي الدكتوراه الفخرية في الإنسانيات للصحافية كريستيان أمانبور والمهندسة المعمارية والكاتبة سعاد العامري والطبيب العالِم الدكتور م. أمين أرناؤوط، تكريمًا لمسيرتهم المهنية التي أثرت فهمنا للعالم وعزّزت كرامة من يعيشون فيه، بحسب تعبير رئيس الجامعة الأميركية في بيروت الدكتور فضلو خوري.
وفي خطابه، وعنوانه “كلّ الخير”، تحدّى الرئيس خوري دفعة الخرّيجين للمضي قدمًا فيما أسماه الجانب الذي يُستهان به في الغالب من دراستهم: وهو القدرة على التعرّف على أولئك الذين كانوا يُعتبرون “الآخر” في السابق واحترام الرأي المختلف عن رأيهم.
“إن أعظم الجامعات تُبنى على مبدأ تحدّي المسلّمات،” قال الرئيس خوري متوجّهًا إلى الخرّيجين، وحثّهم على إفساح المجال أمام الآخرين للتعبير عن آرائهم التي قد تبدو مسيئة بالنسبة إليهم، والاعتراف بأنّ “الخلاف لا يستوجب المسافة.” وأضاف خوري، متأمّلًا في سنوات الاضطراب التي عاشها الخرّيجون، معربًا عن أمله بأن يكونوا قد تعلّموا التعاطف مع الآخرين ومسامحتهم، “لقد تكاتف الكثيرون منكم لرعاية من هم أقل حظًا، ودعم زملاء الدراسة الذين عانوا من خسائر فادحة، ومساعدة الآخرين في التغلّب على الصعوبات التي قد تتجاوز صعوباتكم بكثير.”
ثم اختتم مطالبًا الخرّيجين بحمل هذه الروح إلى ما هو أبعد من أبواب الجامعة: “بينما تتخرّجون وتنتقلون إلى الفصل المقبل من حياتكم، التزموا بتمنّي كلّ الخير للجميع.”
وافتتح الطالب المتحدّث باسم الدفعة جو يوسف الذي نال درجة الدكتوراه في الطب كلمته مستحضرًا الأشخاص الذين آمنوا به في الجامعة الأميركية في بيروت وجعلوا سبيله ممكنًا، وقال، “لقد كافحوا من أجلي لأنهم رأوني أكافح،” وأضاف، “وبينما أقف بينكم اليوم، أدركتُ أنّ هذا الكفاح هو معركةٌ مشتركة بيننا. ولها اسم…الصمود.” ثم حثّ يوسف دفعته لمساءلة هذه الكلمة التي سمعوها “آلاف المرات.”
أشار يوسف، “الصمود الخالي من الطموح هو مجرّد بقاء. الصمود الخالي من الرؤية هو مجرّد تحمّل.” وتابع، “هنا في الجامعة الأميركية في بيروت، يشكّلنا الصمود بأصدق صُوَره، وهي الصورة الجديرة بالاحتفال. نحن لسنا هنا لمجرّد الصمود في وجه العاصفة، بل نحن هنا لنشيّد أماكن تأوينا.”
ثمّ تحدّث عن العيادات المجانية التي افتتحها أعضاء الهيئة التعليمية والمتدرّبون في الجامعة الأميركية في بيروت خلال الحربين الأخيرتين على لبنان، في ظلّ نزوح مئات الآلاف ومعاناتهم للحصول على الرعاية الصحية – وذكر إحدى المريضات التي حضرت إلى العيادة وهي لا تشكو من أي إصابة جسدية، لكنّها كانت تشعر بالبرد والخدر بسبب أصوات الغارات الجوّية. وقال، “في تلك اللحظة، لم يقتصر الطب على كتابة وصفة طبية، بل كان يتعلّق بالنظر في عينيها وتأكيد إنسانيتها في عالمٍ بدا لا إنساني.” وفي ختام كلمته، وصف يوسف الحلم الذي يتشارك به العديد من زملائه: “لبنانًا لم يعد الصمود فيه ضرورةً يومية، بل إرثًا من الماضي.”
ثم تصدّر الحائزون على الدكتوراه الفخرية قلب الاحتفال، حيث قدّموا لدفعة الخرّيجين مثالًا حيًا عن حياةٍ شكّلتها القناعة والإصرار.
وتقدّمت سعاد العامري المهندسة المعمارية والكاتبة ومؤسسة مركز المعمار الشعبي الفلسطيني “رواق” للحفاظ على التراث المعماري إلى المنبر بصفتها خرّيجة الجامعة الأميركية في بيروت وأخبرت الحاضرين بأنّ هذا اليوم، 5 حزيران، هو أول حفل تخرّج لها على الإطلاق. فقد أُلغي حفل تخرّجها من المرحلة الجامعية الأولى في عام 1976 بسبب الحرب الأهلية في لبنان. ثمّ توفي والدها في أسبوع تخرّجها بدرجة الماجستير من جامعة ميشيغان. كما أنّ السلطات الإسرائيلية لم تسمح لها بالسفر من فلسطين إلى إدنبره لحضور حفل تخرّجها بدرجة الدكتوراه في عام 1984. “لذا أنا هنا،” قالت العامري، “لحضور أوّل حفل تخرّج لي على الإطلاق، بعد 50 عامًا.”
“هذه الدرجة الفخرية تعني لي الكثير،” أضافت العامري، مشيرةً إلى التأثير الفكري والشخصي الدائم للجامعة ومدينة بيروت على حياتها ومسيرتها المهنية.
ونال الدكتور م. أمين أرناؤوط، البروفيسور في الطب في كلية هارفارد للطب والباحث الرئيسي في معهد هارفارد للخلايا الجذعية، درجة الدكتوراه الفخرية بصفته ابن صيدا الذي تخرّج في كلية الطب في الجامعة الأميركية في بيروت بامتياز عام 1974. غيّرت اكتشافات الدكتور أرناؤوط مجالات علم المناعة والبيولوجيا البنيوية وأمراض الكِلى بشكل جذري، وأتاحت هندسة المركّبات للحدّ من أمراض التخثّر الالتهابي، بما فيها النوبات القلبية ورفض الأعضاء المزروعة. وعند قبوله الدكتوراه الفخرية من جامعته الأم، نسب أرناؤوط الفضل إلى أساتذة الجامعة الذين شكّلوا مسيرته، مُعربًا عن أمله بأن “تتألّق روح الاكتشاف هذه إلى الأبد وأن تلهمكم، يا خرّيجينا، لتنهضوا بالرسالة الأكاديمية وتجعلوا هذا العالم مكانًا أفضل.”
أمّا كريستيان أمانبور، المذيعة الدولية الرئيسية لشبكة “سي إن إن”، وإحدى أبرز المراسلين الدوليين في العالم، والمتحدّثة الرئيسية للأمسية، فقد وصفت بيروت بأنّها كانت أساسية بالنسبة إليها، حتى من مسافة بعيدة، في بداية مسيرتها المهنية. وقد شكّلت الشدائد التي مرّت بها المنطقة، “ركيزة طموحاتي وأهدافي،” حسب قولها – إذ رغبت في مغادرة شبكة “سي إن إن أتلانتا” والقدوم إلى بيروت للانضمام إلى الزملاء الذين يعملون بالفعل على تغطية القصة، والبحث عن الحقائق، ونقل الحقيقة.
وقالت أمانبور، “أمضيت معظم مسيرتي المهنية في محاولة الاستماع لقصة الآخر وفهمها،” وهو “عنصرٌ حاسم،” بحسب قولها، يتعرّض اليوم “لضغوط غير مسبوقة بينما ننجرف إلى صوامعنا وغرف الصدى الخاصة بنا.” ثمّ شاركت الحضور إيمانها الراسخ “بأن التواصل بين الناس هو أهم عنصر من عناصر السلام والاستقرار والازدهار.”
ومع تسليم الشهادات ومَنح التكريمات، خطا خرّيجو الدراسات العليا الـ 756 من دفعة العام 2026 خطواتهم الأولى نحو الأمام، منضمّين إلى أسرة متخرّجي الجامعة الأميركية في بيروت التي تمتد عبر الأجيال والقارات ومجالات التأثير التي لا تُعدّ ولا تُحصى.






