Twitter
Facebook

كتب الدكتور العميد جوزف س . عبيد

منذ بداية الحرب، يتكرر مشهد لافت: تصريحات حاسمة، تهديدات بضرب مواقع الطاقة، حديث عن سقوط إيران خلال 48 ساعة، ثم تأجيل يتكرر كل يومين أو أكثر، بينما تمر مئات الساعات دون تغيير جذري في المشهد العسكري، ولا يزال تساقط الصواريخ البالستية مستمرًا بالوتيرة نفسها. هنا يطرح السؤال نفسه: هل التأجيل ناتج عن ضعف؟ أم هو جزء من مناورة؟ أم يدخل في إطار العقيدة القتالية للجيش الأميركي؟

لفهم ما يجري، يجب الابتعاد عن الانفعال والاقتراب من منطق الحروب الكبرى. في العقيدة العسكرية الأميركية، لا يتم اللجوء عادةً إلى الضربة الشاملة منذ اللحظة الأولى، بل يعتمد مبدأ التدرّج التصعيدي في القتال. هذا المبدأ يقوم على الضغط التدريجي: بدءًا من الضغط السياسي والدبلوماسي، مرورًا بالضربات العسكرية المحدودة، وصولًا إلى استهداف البنية الاستراتيجية إذا فشلت كل الوسائل الأخرى. الهدف من هذا التدرّج ليس التردد، بل السيطرة على مسار الحرب ومنع انفجارها خارج حدودها.

التصريح بسقوط إيران خلال 48 ساعة يمكن فهمه في إطار الحرب النفسية والضغط السياسي، وليس بالضرورة كخطة زمنية عسكرية. في الحروب الحديثة، التصريحات الحادة تُستخدم لإرباك الخصم ورفع الضغط عليه داخليًا وإرسال رسائل للحلفاء والخصوم، بينما التنفيذ العسكري يخضع لحسابات أكثر تعقيدًا.

تأجيل ضرب مواقع الطاقة تحديدًا يحمل دلالة استراتيجية واضحة. فاستهداف الطاقة الإيرانية لا يعني فقط ضرب منشآت داخل إيران، بل قد يؤدي إلى إغلاق مضيق هرمز، وتهديد الخليج، وارتفاع أسعار النفط عالميًا، ودخول أطراف إقليمية في المواجهة. أي أن ضربة من هذا النوع قد تنقل الحرب من إطارها المحدود إلى حرب إقليمية واسعة يصعب ضبطها، لذلك يصبح التأجيل قرارًا سياسيًا – عسكريًا لتجنب الانفجار الكبير وليس تعبيرًا عن ضعف.

ولفهم هذه العقيدة بشكل عملي، يمكن العودة إلى تجارب سابقة طبّقت فيها الولايات المتحدة مبدأ التدرّج التصعيدي بوضوح.

في يوغوسلافيا عام 1999 بدأت الضربات الجوية محدودة ثم توسعت تدريجيًا حتى أجبرت القيادة الصربية على القبول بالشروط الدولية. وفي أفغانستان عام 2001 بدأت العمليات بضربات مركّزة ثم توسعت عبر دعم القوات المحلية ثم إرسال قوات برية والسيطرة على المدن. أما في العراق عام 2003 فقد سبق الحسم العسكري سنوات طويلة من الضغط السياسي والعقوبات والحصار ثم الضربات الجوية والتقدم البري السريع. هذه النماذج تؤكد أن التدرّج في استخدام القوة جزء من التفكير العسكري الأميركي وليس حالة استثنائية.

في الوقت نفسه، استمرار إطلاق الصواريخ البالستية بالوتيرة نفسها يعني أن إيران لم تُكسر عسكريًا بعد، وأن الحرب لم تصل إلى مرحلة الحسم، وهو أمر طبيعي في الحروب بين دول كبيرة حيث يحتاج الضغط إلى وقت طويل يجمع بين القوة العسكرية والعقوبات الاقتصادية والعزل السياسي.

من هنا، يمكن القول إن ما يحدث هو مزيج من مناورة سياسية وضبط عسكري وضغط تدريجي، وهي معادلة تهدف إلى إبقاء القرار النهائي بيد القيادة السياسية، بحيث يمكن الانتقال إلى التصعيد الكبير أو العودة إلى التفاوض في أي لحظة.

عند مقارنة الحالة الإيرانية بما حصل في يوغوسلافيا وأفغانستان والعراق، يظهر أن الفارق الأساسي هو حجم الدولة وتعقيد البيئة الإقليمية. يوغوسلافيا كانت معزولة نسبيًا، وأفغانستان كانت دولة ضعيفة عسكريًا، والعراق كان محاصرًا منذ سنوات طويلة، أما إيران فهي دولة قوية كبيرة ذات عمق جغرافي وشبكة تحالفات وقدرات صاروخية لا تزال حتى الآن هائلة  وتأثير مباشر على سوق الطاقة العالمي. لذلك فإن التدرّج في التصعيد هنا يبدو أبطأ وأكثر حذرًا، لأن أي خطوة غير محسوبة قد تشعل المنطقة بأكملها.

من هذه المقارنة يمكن فهم أن التأجيل ليس دليل ضعف بقدر ما هو محاولة للتحكم بإيقاع الحرب، وأن العقيدة القتالية القائمة على التدرّج في التصعيد تتكيف مع حجم الخصم وخطورة البيئة المحيطة. فكلما كان الخصم أكبر وأكثر تأثيرًا، كان التدرّج أبطأ وأكثر حذرًا، وكلما كان الخصم أضعف كان الحسم أسرع.

وهنا تتضح الصورة: التأجيل ليس تراجعًا بالضرورة، ولا عجزًا عن التنفيذ، بل جزء من إدارة صراع معقد تحكمه حسابات القوة والسياسة والطاقة والاستقرار الإقليمي، حيث تصبح القدرة على ضبط التوقيت والسيطرة على التصعيد شكلًا من أشكال القوة بحد ذاتها، لا علامة ضعف.

اقرأ الآن