
في عالمٍ تتداخل فيه الألوان مع المشاعر، وتتحول الخطوط إلى لغة تعبّر عن الوجع والأمل والحياة، اختارت الفنانة التشكيلية اللبنانية رجاء نيكولا أن تجعل من لوحاتها مساحةً للتعبير عن الإنسان وحالاته النفسية. فمنذ طفولتها، وجدت في الرسم عالماً آخر تنقلها إليه الألوان والخطوط، قبل أن تصقل موهبتها بالدراسة والتجربة، وتطوّر أسلوباً خاصاً بها يميل إلى الانطباعية القريبة من التجريد.
لا تتعامل نيكولا مع الحرب من خلال رسم الدمار، بل تحاول التقاط مشاعر الناس في لحظات الخوف والألم، وكذلك في لحظات الانتصار والفرح. وترى أن لكل لون رسالة، وأن اللوحة في جوهرها لغة قادرة على توثيق التاريخ والتعبير عن مشاعر قد تعجز الكلمات عن وصفها.
في هذه المقابلة، تتحدث رجاء نيكولا عن بداياتها، وتجربتها الفنية، وعلاقتها بالألوان، وأبرز المحطات التي طبعت مسيرتها، كما تتناول واقع الفن التشكيلي في لبنان والعالم العربي، ودور المعارض والإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي في انتشار الفنان. وتتوقف أيضاً عند علاقتها بالنقاد والجمهور، وتأثير الفنان الراحل سمير أبي راشد فيها، وصولاً إلى موقفها من الذكاء الاصطناعي، مؤكدة أن العمل اليدوي يظل حاملاً لبصمة الفنان وروحه.
حاورتها: سميرة أوشانا

لنتحدث أولاً عن البدايات. متى اكتشفتِ موهبتك في الرسم؟
منذ صغري كنت أرسم لساعاتٍ طويلة، وكنت أشعر أن هناك شيئاً ينقلني من عالم إلى عالم آخر، عالم الألوان والخطوط التي كنت أرسمها.
من كان أول شخص شجعك على دخول عالم الفن التشكيلي؟
طبعاً، أهلي هم الذين شجعوني على دخول هذا العالم. كانت والدتي تشاهدني وأنا أرسم ولاحظت شغفي بالرسم. كنت أراقب جارنا الرسام وهو يرسم، ولدى عودتي إلى المنزل أبدأ أنا أيضاً بالرسم. فطلبت منه أن يعلّمني، وهكذا تتلمذت على يده.
هل درستِ الفن أكاديمياً أم اعتمدتِ على الموهبة والتجربة؟
اعتمدت على الموهبة وصقلتها بالعلم. علماً أن اختصاصي الجامعي هو الطب النفسي العيادي، وإلى جانب ذلك درست العلاج بالفن (Art Therapy) والرسم في Atelier منى خبصة، وأكاديمياً في المعهد اللبناني الروسي. وفي الوقت نفسه، اعتمدت كثيراً على تجاربي الخاصة، ولا أزال أفعل ذلك حتى اليوم.
ما أكثر المواضيع التي تستلهمينها في لوحاتك؟
أرسم الحالات النفسية والوجع الداخلي والحرب بأسلوبٍ خاص. لا أرسم الدمار، بل شعور الناس خلال الحرب، وكذلك شعورهم بالانتصار وعندما نحتفل. هذا الشعور أعبّر عنه من خلال الألوان والخطوط.
ماذا تعني لكِ الألوان؟ وهل لكل لون رسالة في أعمالك؟
الألوان هي الروح والحياة. كل لون يعبّر عن الحالة التي نعيشها، ولكل لون رسالة خاصة، وهناك ألوان لا معنى لها، كما الحياة تماماً. الألوان تكمل بعضها بعضاً، وتدور جميعها في فلكٍ واحد؛ لون قوي إلى جانبه لون ضعيف.
كم يستغرق إنجاز لوحة واحدة؟
لا نستطيع أن نحدد الوقت اللازم لإنجاز لوحة واحدة. أحياناً أرسم لوحة خلال ساعة واحدة، وأحياناً يمتد العمل عليها إلى شهر. لا تهمني القياسات، المهم هو الموضوع والرسالة التي أريد أن أعبّر عنها من خلال اللوحة.
هل ترسمين وفق خطة مسبقة، أم تتركين اللوحة تقودك أثناء العمل؟
في أكثر الأحيان، أرسم الـ Sketch وأضع خطوطاً للوحة قبل البدء بها على الـCanvas، لكنني قد أغيّر أحياناً اللوحة والموضوع وفق إحساسي وتفاعلي معها.

ماذا يمثل لكِ عرض لوحاتك في المعارض؟
من المهم جداً للفنان أن يعرض لوحاته وفنه، والأهم أن يعرف في أي معارض يعرض أعماله ولمن يريد توجيه رسالته، لأن اللوحة في النهاية رسالة، ويجب أن تكون في البيئة المناسبة لها.
أي معرض ترك أثراً في مسيرتك أكثر من غيره؟
معرض السليمانية، بدعوة رسمية من مهرجان «غلواز»، ومن هناك كانت الانطلاقة نحو متحف شنغهاي الذي اقتنى إحدى لوحاتي. كان هذا الأمر مهماً جداً بالنسبة إليّ وشكّل نقلة نوعية في مسيرتي الفنية.
هل يهمك رأي الجمهور أكثر أم رأي النقاد؟
رأي الجمهور مهم جداً، لأنني أرسم وأوجّه رسالتي إليه. لكن النقاد يضعون النقاط على الحروف، ويُخرجون أموراً من الفنان قد يكون هو نفسه لا يدركها. وعلى مدار التاريخ، كان للنقاد أثر في وضع أسماء للمدارس الفنية. فالفنان كان يرسم، والنقاد هم الذين كانوا يصنفونه، إن كان رسمه انطباعياً أو كلاسيكياً. هم الذين وضعوا هذه التسميات، وليس الفنان.
عندما تُسألين عن رأيك في لوحات زملائك، هل تعبرين بكل صراحة؟
لا أعبّر بوضوح عن رأيي في أعمال زملائي. كنت في السابق أكتب وأنتقد في مجلة “الأخبار” بكل وضوح في مجال الفن التشكيلي في لبنان، لكنني لاحظت أن مجتمعنا لا يتقبل النقد البنّاء. لذلك أفضل ألا أعطي رأيي بأي لوحة أبداً، لكنني أحب أن أشجع الفنان المبتدئ وأنصحه بمتابعة الرسم.
هل سبق أن بعتِ لوحة كان يصعب عليكِ التخلي عنها؟
بصراحة، كل اللوحات التي بعتها لم أكن أود التخلي عنها أبداً. مع كل لوحة كنت أبيعها أقول لنفسي: سأرسم غيرها. لكن حتى اليوم لم يحصل أن عدت ورسمت لوحة تشبه تلك التي بيعت، لأن ليس هناك لوحة تحل مكان أخرى.
ولا نستطيع أن نقلد. فإذا رسمت عشر لوحات للموضوع نفسه، ستكون كل لوحة مختلفة عن الأخرى.

هل تعتقدين أن الفن قادر على إحداث تغيير في المجتمع؟
كما الشعراء والأدباء والإعلاميين، كذلك الفن يوثق التاريخ. عبّر الفنانون عبر التاريخ عن أحداث كانت تحصل، وحتى الإنسان الأول كان يعبّر عن شعوره من خلال الرسم على الجدران، وفي المراحل الأولى من التاريخ.
لذلك، الرسم هو أكثر لغة تستطيع أن تعبّر وتوثّق التاريخ واللحظات التي يعيشها الفنان.
هل تحمل لوحاتك رسائل إنسانية أو اجتماعية؟
اللوحة تحمل رسائل، لكن المتلقي هو الذي يجب أن يعرف إذا كانت إنسانية أو اجتماعية أو أخلاقية أو دينية. لكل لوحة رسالة، وكل متلقٍ يستطيع أن يفسر ما يراه.
كيف ترين واقع الفن التشكيلي في لبنان والعالم العربي؟
تأثر كثيراً بالأوضاع التي يعيشها المواطن في لبنان والعالم العربي، لكن هذا الأمر دفعنا إلى العمل أكثر، وكأننا نتحدى الظروف. نشهد اليوم ثورة فنية؛ دائماً هناك معارض، على الرغم من الظروف الأمنية والاجتماعية والاقتصادية، لكننا لا نستطيع أن نستسلم أبداً.
ما أبرز التحديات التي تواجه الفنان التشكيلي اليوم؟
اللامبالاة تجاه الفن من قبل المجتمع. فالفئة التي كانت تفكر في اقتناء اللوحات أصبحت تفكر كثيراً قبل الإقدام على ذلك، لأن الوضع غير معروف وإلى أين نحن ذاهبون. الوضع الاجتماعي والسياسي أثّرا كثيراً على الفن التشكيلي في لبنان والعالم العربي.
كيف ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في انتشار أعمالك؟
الأمر الوحيد الذي ساهم في نشر أعمالي هو وسائل التواصل الاجتماعي، لأنني كنت أرسم وأنشر على “فيسبوك”، وعندها بدأت تصلني دعوات للمشاركة في المعارض من قبل المنظمين. وفي فترة كورونا، ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي كثيراً في نشر أعمالنا من خلال المعارض الإلكترونية.
هل ترين أن “إنستغرام” أصبح بمثابة معرض فني دائم؟
إنستغرام مهم جداً، لكنه ليس معرضاً. المعرض يجب أن يكون حياً، أي أن تُعلّق اللوحات في غاليري مع إضاءة مناسبة، ويقف الفنان أمامها ويتفاعل معها.
ما مدى أهمية دور الإعلام في شهرة الفنان في ظل انتشار وسائل التواصل الاجتماعي؟
دور الإعلام مهم جداً في شهرة الفنان، سواء عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو حتى المجلات الورقية التي لا تزال تصدر حتى يومنا هذا.
من خلال مقالاتهم ونقدهم، يضع الإعلاميون الفنان في موقع معين يليق به، ويظهرونه للعالم بطريقةٍ لائقة، وحتى أنهم يصنفون أعماله كما ذكرت. ويطلقون ألقاباً جميلة على كل فنان، وهذا يساعد كثيراً. لا نزال حتى يومنا هذا نحتاج كثيراً إلى الإعلام والإعلاميين.
من هو الفنان التشكيلي الذي أثر فيك؟
تأثرت كثيراً بالفنان التشكيلي سمير أبي راشد، كانت آخر مقابلة أجريتها معه قبل وفاته، وحدثني عن لوحة أحلامه التي كان يريد تنفيذها، لكنه توفي قبل ذلك. أحببت كثيراً حديثه عن الفن وعن طموحه ولوحاته وطريقته وأسلوبه. لدينا في لبنان فنانون كبار ومهمون ومميزون جداً، وسيتركون أثراً وبصمة كبيرة في تاريخ الفن العالمي.

ماذا تفعلين عندما تشعرين بأن الإلهام غاب عنك؟
هذا الشعور يقتل. عندما أشعر أنني أفتقد الإلهام، أصاب بالكآبة. كل فنان يمر بهذه الحالة، عندما يشعر أنه في منتصف المرحلة بين أن يتابع بالأسلوب الذي يرسمه وبين أن ينتقل إلى أسلوب آخر. في هذه المرحلة يشعر وكأنه يتخبط في أحاسيس داخلية، لكن عندما يرسم يبدع، فتولد لوحة جميلة جداً.
هل هناك لوحة تعتبرينها الأقرب إلى قلبك؟ ولماذا؟
ليس لدي لوحة قريبة إلى قلبي، بصراحة. هناك لوحات لا أحبها؛ اللوحة التي أحبها أعلّقها على الحائط، وإذا لم أحبها أخفيها عن أمامي. هناك لوحات كثيرة رسمتها وأخفيتها وبقيت فترة بعيدة عني، لكن بعد مدة عدت ووجدتها جميلة، فعلقتها على الحائط.
ما الحلم الذي لم تحققيه بعد؟
حلم كل فنان أن يجول العالم مع لوحاته ويتعرف إلى كل الأساليب الموجودة التي لا يعرفها. عندما كنت أسافر وأزور المعارض، كنت أجد أشياء جميلة نفتقدها هنا، بدءاً من المساحات الكبيرة وصولاً إلى تقسيم الغاليري، حيث يكون كل قسم مخصصاً لنوع معين من اللوحات. هذا الأمر كان يلفت نظري كثيراً، وأتمنى أن أنفذه هنا في لبنان.
إذا طلبت منكِ رسم لوحة واحدة تختصر حياتك كلها، ماذا سترسمين؟ وما الرسالة التي تريدين أن تصل إلى من يشاهدها؟
كل مرحلة من حياتي هي لون، لذلك أرسم لوحة مليئة بالألوان، لا سيما أننا نعيش في بلد كله أزمات. أما بالنسبة إلى الرسالة، فأقول إن النفس البشرية كلها تتشابه. انظر إليها وحاول أن ترى أين هي حياتك في هذه اللوحة.
في زمن الذكاء الاصطناعي الذي بات قادراً على إنتاج صور ولوحات خلال ثوانٍ، هل تشعرين أن الفن التشكيلي التقليدي مهدد، أم أن الإبداع الإنساني سيبقى متفوقاً؟
لا شيء يتفوق على الرسم اليدوي، لأن الفنان يترك بصمة خاصة به. خلقنا الله على صورته ومثاله، والذكاء الاصطناعي لا يشبهنا ولا يشبه روحنا التي أعطانا إياها الخالق. الذكاء الاصطناعي لا يحل مكان العمل اليدوي والإبداع والروح التي يعطيها الفنان للوحة.

إذا اختفت الألوان من العالم ولم يبقَ لديك سوى لون واحد، أي لون تختارين؟ ولماذا؟
تضحك: كارثة! أختار اللون الأبيض، لأنه لون الصفاء والنضارة، وأي شيء أضعه عليه سيظهر. أستطيع أن أخترع أي شيء، وآتي بألوان من الطبيعة وأخلطها مع الأبيض وأعمل لوحة. سبق أن حصل هذا الأمر؛ كنا نرسم مرة في الطبيعة، وأصبحنا نجلب ألواناً من النباتات ونصمم بها لوحات.
هل سبق أن بكيتِ أمام لوحة رسمتها أنتِ؟
شو بينفع البكاء؟ إذا الفنان رسم لوحة، من المستحيل أن يبكي، لأن المشاعر الداخلية تكون قد خرجت منه إلى اللوحة. أبداً لم يحصل ذلك معي. لكن مرة كنت في معرض يعبّر عن ضحايا المجزرة الأرمنية، ورأيت الناس تبكي أمام اللوحة وتتأثر بها.
هل تعتبرين اللوحة ملكاً للفنان بعد بيعها، أم تصبح ملكاً للمقتني وحده؟
اللوحة الموقعة بيد الفنان هي للفنان، حتى لو جالت العالم، تبقى ملك الفنان.
ما أكثر تعليق من أحد الزوار بقي عالقاً في ذاكرتك؟
في مرة دخل أحدهم إلى المعرض، ونظر إلى اللوحة وقال: “في هذه اللوحة شعرت أنها تناديني بألوانها وبكل شيء فيها.” بقي يدور حولها لساعات، ثم اشتراها، وهذا الأمر كان مهماً جداً بالنسبة إليّ.
كيف تصفين مدرستك الفنية؟ هل هي واقعية أم انطباعية أم تجريدية أم سريالية، أم أنك تمزجين بين أكثر من مدرسة؟
أرسم بطريقة انطباعية قريبة من التجريد، لكن أحد النقاد قال لي: “كأنك في لوحة واحدة جمعت مدارس عديدة.” ربما يكون هناك شيء جديد لا أعرفه. أنا أرسم ما أشعر به، ولم أكن يوماً مقيدة بمدرسة معينة. لكن بشكلٍ عام، يقول النقاد إن أسلوبي انطباعي – تجريدي.
كيف تحبين أن يتذكرك الناس؟ وما الرسالة التي تودين تركها للأجيال القادمة؟
أحب أن يقول الناس إنني فنانة قدمت الكثير للفن. أما بالنسبة إلى الأجيال القادمة، فأقول لهم: ارسموا يومياً، ولا تعتمدوا على أحد، ولا تهتموا بالانتقادات السلبية، لأننا بدورنا تعرضنا في بداياتنا لانتقادات سلبية من فنانين يعتبرون أنفسهم كباراً، لكن للأسف كانوا يحاولون تحطيمنا.
هل هناك لوحة لفنان عالمي أنت معجبة بها؟
أنا أحب كثيراً الفنانين التشكيليين اللبنانيين.







