
افتتحت الجامعة الأميركية في بيروت عامها الدراسي الجديد خلال حفل الافتتاح السنوي يوم الإثنين 7 أيلول 2026. اجتمع أمناء وأفراد الهيئة التعليمية وموظفو وطلاب وخريجو وأصدقاء الجامعة في قاعة “أسمبلي هول” التاريخية للاحتفال ببداية عام جديد من المعرفة والخدمة والاكتشاف.
عقب الموكب الرسمي، ألقى رئيس الجامعة الأميركية في بيروت الدكتور فضلو خوري الكلمة الافتتاحية وعنوانها “عن المشقّات ونقاط التحوّل.” وتناول الخطاب مراحل تمتدّ من تأسيس الجامعة عام 1866 إلى ظهور الذكاء الاصطناعي، وعاد مرارًا إلى فكرة واحدة —وهي ضرورة تعلّم كل جيل في الجامعة الأميركية في بيروت لغة عصره.
وبالعودة إلى بدايات الجامعة، أشار خوري إلى أنّ الرئيس المؤسّس للجامعة دانيال بلس افتتح الصف الدراسي الأول في الكلية السورية البروتستانتية، التي أصبحت لاحقًا الجامعة الأميركية في بيروت، في 3 كانون الأول 1866، بحضور ستة عشر طالبًا متحمّسًا للعلم. وكانت اللغة العربية لغة التدريس حينها، بصفتها اللغة المشتركة في المنطقة، على الرغم من أنّ الطلاب كانوا مطالبين بإتقان اللغة التركية العثمانية أو الفرنسية كذلك، إلى جانب اللغة الإنكليزية. وقال، “منذ بداياتها، أدركت الجامعة الأميركية في بيروت أمرًا لا يزال صحيحًا اليوم: قد تتغيّر لغات التدريس، لكن الحاجة إلى تعلّم لغات العصر لا تتغيّر.”
ولغة الحاضر هي الذكاء الاصطناعي، كما قال خوري، ورسالة الجامعة تتمثّل بمساعدة أسرتها على إتقان تلك اللغة. الذكاء الاصطناعي والحوسبة، كما وصفهما خوري، “كالتصميم والفنون الجميلة والعلوم الإنسانية، أصبحا لغتين أساسيتين للتجربة الإنسانية.” وصاغ خوري تلك الفكرة باعتبارها مسألة إلمام بلغة العصر، لا مسألة كفاءة، وأضفى عليها بُعدًا شخصيًا، إذ قال للحضور إنّه يجبر نفسه وهو في عقده السابع من العمر، “على تعلّم هذه اللغات الجديدة، التي أثق بأنّها ستدوم،” وإنّه يستكشف حاليًا “عدّة المبتدئين في الذكاء الاصطناعي،” وهي دورة لنيل شهادة في أساسيات الذكاء الاصطناعي أعدّها مركز عبد الله الغرير للتعليم والتعلّم الرقمي في كلية مارون سمعان للهندسة والعمارة في الجامعة. أما السبب، بحسب قوله، فهو أنّ الجامعة مدينة لأولئك الذين يتلقون العلم فيها. وقال، “إذا كان علينا المساعدة في توجيه طلابنا وهيئتنا التعليمية وموظّفينا خلال تجربتهم التحوّلية والتحرّرية في الجامعة الأميركية في بيروت، فإنّنا مدينون لهم على الأقل بالإلمام بلغة التواصل المشتركة لعصرنا، كما ألزم بلس طلابه بالإلمام بلغة عصرهم.”
وإذا كان الذكاء الاصطناعي يُعدّ لغةً، فستبقى القراءة لغةً في حدّ ذاتها. وروى خوري كيف أمضى الفترة الصيفية في قراءة ما يزيد عن ستة كتب وأكثر من 150 مقالًا متّبعًا “الأسلوب التقليدي،” وقال إن القراءة تمنح “مزيجًا فريدًا من التبصّر والرضا والشعور بالذنب والترقّب” لا يمكن للملخّصات التي تنتجها الأدوات التكنولوجية استنساخه.
ثمّ تناول الخطاب ما أسماه خوري المهمّة الأساسية الملقاة على عاتق الطلاب. فالتفكير النقدي، كما أورد، هو الغاية الأسمى للتعليم العالي، وربما حتى علّة وجود المؤسسة الأكاديمية. ومع سهولة الحصول على المعلومات في عصر الذكاء الاصطناعي، بحسب قوله، فإنّ المهمّ، بحسب قوله، “ليس مجرد تعلُّم المزيد، بل تعلُّم كيفية التفكير مستعينين بما تتعلّمونه.” وأشار إلى أنه لا يوجد، حتى ضمن أيّ مجال منفرد، إجماع على ما يتطلّبه التفكير النقدي، مستنتجًا أن ذلك “يكمن في عين الناظر إلى حدٍّ كبير.”
وبهدف إيضاح كيفية تبلور مثل هذه القدرات وترسّخها، استند خوري إلى كتاب مالكوم غلادويل “انتقام نقطة التحوّل،” وفكرته التي تتلخّص في “أنّ بلوغ حدّ معيّن من الزخم أمر ضروري من أجل تحقيق تحوّل نوعي.” والطلاب، كذلك، سيبلغون تلك النقطة، كما ذكر، سواء من حيث العدد أو المعرفة أو الثقة بالنفس، وصولًا إلى “نقطة الرضا المهني حيث تتقاطع كفاءاتكم مع شغفكم.”
ثم استعرض الخطاب ملحمة “الأوديسة” للشاعر هوميروس كنموذج للتفكير النقدي. فكان أكثر ما أثار إعجاب خوري في شخصية أوديسيوس، بحسب قوله، “ليس ذكاؤه فحسب، بل قدرته على تحمّل رحلة طويلة ومحفوفة بانعدام اليقين والمشقّة في الغالب، دون أن يفقد وجهته التي كان يحاول الوصول إليها.” ثم اتّجه إلى مفهوم الحنكة (ميتيس) لدى الإغريقيين القدامى، والذي يعني القدرة “على قراءة الظروف والارتجال وتمييز الفرص وتغيير الاستراتيجية حين تتطلب الظروف ذلك،” وقدّم ذلك المفهوم كتصوُّر لما يجب أن يغرسه التعليم في الجامعة الأميركية في بيروت. وقال خوري، “هذه هي إحدى الهدايا التي آمل أن يقدّمها لكم التعليم في الجامعة الأميركية في بيروت،” موضحًا أنه لا يقدّم “خريطة ثابتة للعالم” بل القدرة على شقّ الطريق في عالم سريع التطوّر.
واختتم خوري كلمته متوجهًا إلى أسرة الجامعة ومتحدثًا عن العام الجديد، الذي سيكون، بحسب تعبيره، عامًا سيخوضه الطلاب والهيئة التعليمية والموظفون والخريجون والأصدقاء، “كلٌّ في مسعاه الفردي، وسيكون مليئًا بالآلهة والوحوش والأبطال والأشرار والمآسي والانتصارات.” وأضاف أنّ كل فردٍ سيخرج منه “أكثر إرهاقًا وحكمةً” وسيكون قد أصبح إنسانًا “أفضل بفضل تلك الرحلة.” وتمنّى خوري لأسرة الجامعة، مقتبسًا كلمات بوب ديلان التي كان قد أهداها إلى وودي غوثري، “عامًا دراسيًا عامرًا بالصحة والانغماس، مبهجًا ومتعبًا وعظيمًا في المحصّلة، ومليئًا ببعض السفر الشاق أيضًا.”






