
أجرت المقابلة سميرة اوشانا
يرن الهاتف، اتصال من المخرج سمير حبشي:” بكرا عنا تصوير عالبحر بي غزير، رح تقدري تجي، رح نكون عم نصور ليوم واحد، غالبية الممثلين عندهم مشاهد، بعد بكرا رح نصور بل البترون.”
أجيب:” طبعاً، نلتقي غداً.”
كان النهار مشمساً لا بل صيفي بامتياز، وصلت الى مكان التصوير، عن بعد، شاهدت الممثل يورغو أعني فؤاد، نعم رأيته، فؤاد ذلك الشاب الذي خسر أجمل سنوات عمره، في الواقع لا أعلم من رأيت تحديداً، هل كان يورغو يحفظ دوره، وغارق في الشخصية التي تقمصها حتى التصديق، او كان فؤاد يلملم ذاته ليواجه الحياة ويولد من جديد!

ما أن انطلقت الحلقات الاولى من مسلسل “المحافظة 15″، حتى شكّل هذا العمل الفني موجةً هادرة من التسونامي فحرّك ضمير المسؤولين وتعاطف معه قلب المشاهدين، ليحجز بذلك مكانة متقدمة له على لائحة الأعمال الدرامية المزدحمة التي تعرض على الشاشات العربية في شهر رمضان.
وصلت الى البحر لا لأغوص فيه انما لأجد نفسي معتقلة بين أبطال العمل الذين كانوا منغمسين بتحضير شخصياتهم.

المكان: مطعم على شط البحر
يورغو بعد أن صور بعض مشاهده، وفي الوقت الذي يغيّر فيه الديكور أقتربت منه، لأسرق منه بعض الدقائق قبل أن يقول المخرج كلمته السحرية كلنا جاهزين، وال “أكشن” للمشهد التالي.

شو هالمسلسل يلي مكسر الدني؟
يورغو مبتسماً: نحن ما بدنا نكسر الدني بدنا نعمر.
أخبرني عن هذه الشخصية المهلكة التي تؤديها. هل أهلكتك حقاً؟
يجيب بهدوءٍ تام: تكمن المتعة باداء هذا النوع من الشخصيات، ليس فقط الشخصية، بل النص بحد ذاته، نص كارين رزق الله، فيه عمق ورسالة لا نجدها دائماً في كل المسلسلات، له طابع إنساني وإجتماعي، أكيد كل من يريد أن يدخل في هذه الحالات عليه أن يغوص فيها للآخر، فيها معاناتها ولذتها ايضاً، عندما نغوص في العمق نخرج كل ما هو في داخلنا، بدقة، و”عالقد” من دون زيادة أو نقصان في الآداء، وهنا تكمن صعوبتها، الحمدالله ردة فعل المشاهدين كانت جميلة جداً، ورائعة لم نتوقع ما حصل. كنا نعلم أن بحوزتنا مادة ناجحة، لكن عندما أصبحنا على الهواء، فرحنا من ردة فعل المشاهدين. حتى لو شاهدنا الحلقة على المونتاج لكن عندما يشاهد الناس، الأمر يختلف، لكن الحمدالله النتيجة كانت ممتازة.
هل نستطيع أن نقول بالنسبة لك انه دور العمر؟
كل دور هو دور العمر، وهذا الدور هو من أجمل الادوار التي لعبتها، لكن أتمنى أن العب ادواراً كثيرة. يتابع: ما لعبته وحققته في الماضي هو الذي أوصلني لأجسد هذه الشخصية، الادوار التي زودتني بالخبرة لو لم ألعبها في الماضي بالاضافة الى التجارب التي تكوّنت لدي، لما أوصلتني الى هنا.

حققت ثنائية ناجحة مع كارين رزق الله في عمل كوميدي،
مقاطعاً، لم يكن كلياً كوميدي.
صح، حالياً الى اي مدى تشعر أن هذه الثنائية ستنال النجاح لدى جمهور الدراما اللبنانية؟
بما أن الناس قلبها “من الحامض لاوي”، شعرت أن الناس قد لا تحب، إلا أن كتارسيس الممثل الذي يلعب دوراً قاسياً وصعباً، هذا النوع من الدراما ينعكس على المشاهدين ايضاً، تعاطفوا مع شخصية فؤاد وعبروا عن مشاعرهم، اللبنانيون تحملوا الكثير، انا قلت انا أمثل لبنان في هذا الدور، من العذاب والصعوبات التي واجهته ثم يعود ويستعيد ليبني نفسه، هذا كله عاشه الشعب اللبناني والشعب السوري والشعوب المحيطة، هذا العمل يحاكي الجميع، اصلاً هذه قضية انسانية عالمية ليست فقط محلية. لهذا أحب الجمهور هذا العمل.
هذه الشخصية التي تؤديها بهذه الطريقة إن كان مشياً أو ردات فعل فؤاد نتيجة العذاب الذي تعرّض له، هل المخرج هو الذي رسمها لك أو الكاتب أو أن الممثل بدوره مع الخبرة يعطي من مخزونه الفني؟
في البداية الكاتب يرسم الشخصية، لكن هنا عندما يصبح بين يدي الممثل عليه أن يبني الخلفية الخاصة به، من دون معارضة السيناريست ليجسدها كما يجب، لكن يبنيها أبعاداً ربما ليست واردة في مخيلة الكاتب، ليرى الى أي مدى يحمل هذا البعد، ثم يدفع بها الى الآخر، لأن من يقف في الجهة الآمنة لا يقدم شيئاً. يجب أن نخاطر قليلاً no pain no gainكي يدخل الى مناطق محظورة حيث لا يجرؤ الآخرون أحياناً. كي يوصل الدور صح، تبدأ لعبة المخرج مع الممثل، بعد التحضير مع الكاتب لبناء أبعادٍ كثيرة غير موجودة، يبدأ التكامل مع المخرج الى أين يريد أن يأخذ هذه الشخصية، هنا سمير حبشي لعب هذا الدور العظيم لان لوكان العمل مع مخرجٍ آخر ما كنت آمنت وخاطرت لهذه الدرجة، لكنني أعرف أن هناك عين ساهرة تراقب جيداً، سمير حبشي هو الذي ابتكر هذا الجو .

نعلم أن سمير حبشي عادةً عندما يؤدي الممثل الدور كما يجب يصفق له، كم مرةٍ صفق لك؟
يجيب ضاحكاً:كثيراً، في الحقيقية لدى سمير إحساس عالٍ، كل مرةٍ كان يصور مشهداً، كان يقول لي أبكيتني، كذلك في المونتاج، كل من يعمل في المجال الفني اذا لم يكن لديه إحساس عالٍ، ما تبحثي… “كان يحزن اذا لم يتأثر أحدهم، يأتي من المونتاج ويقول لم يتأثروا، ليس لديهم احساس.” لهذا أثق به، كذلك وأنا أشاهد العمل معكم، أرى التقطيع، من خلال كادراته يساعد هذه الشخصية أن تنال حقها وأن تكون نافرة وهذا مهم جداً.
أي مشهد كان أكثر تأثيراً عليك؟
اولاً، نص كارين، كان يقشعر بدني عند قراءة النص، ما أن اصل الى مشهدٍ لانتقل الى آخر، وجميعها مؤثرة، لكن جملة: “انا لبناني” كانت وحدها كفيلة لأقول “اوكي” وأوافق على العمل.

الجمهور تعاطف كثيراً بهذا العمل، ما هو شعورك انت كممثل تنقل قضيتهم كما يفعل الصحافي؟
هذه أمانة كبيرة، أجسد من عانى هذا النوع من العذاب إن كانوا لبنانيين او غير لبنانيين، سبق وذكرتها في بوست، هي قضية لها بعد انساني، تأثير على العائلة والشخص نفسه وأن مسؤولية نقلها بكل مصداقية تقع علينا، خاصةً هناك شخصيات مختلفة تعرضت لتعذيب او حجزت ما يعني أن هناك أمانة كبيرة للتعبير عن هذه الاحاسيس بمصداقية وعمق، ولا يجب الاستهتار بها كونها قضية انسانية كبيرة، “حتى ما يطنشوا” عن الأنظمة التي تقوم بهذه الاعمال التي تدمر عائلات بأكملها لا بل بلد. المخططون الكبار في العالم غير مبالين، يتحدثون عن حقوق الحيوان، لا شك يجب أن يكون حقوق لكل كائن حي، لكن، اين هي حقوق الانسان التي نتحدث عنها، نرى ونعرف الانظمة ماذا تفعل، هل يجب أن نغض النظر؟ هذه أرواح تتعذب ليست فقط لحم ودم بل أرواح.

أيهما كان الأصعب، إعتقال المواطن السوري او اللبناني؟
المعتقل هو معتقل لا فرق، كان هناك من جنسيات أخرى وأجنبية، وصحافيون، كل من عارض هذا النظام اختفى في حينه، لا تفرقة في المعاناة، التفرقة تكون في نوعية التعذيب حسب سبب إعتقاله وعلى من يضغطون، أحياناً حظه يكون سيئاً يتمتعون بتعذيبه اكثر من غيره، كما تعلمين في هذه المواقع الإجرام، يعينون اشخاصاً لديهم نزعة إجرامية كي ينفذوا هذا النوع من التعذيب، من يستطيع أن يعذّب الى هذه الدرجة يسكن في داخله وحش، و”بيفش خلقه بالمساجين لانهم منسيين”.
نحن في سباق رمضاني، هناك مسلسلات عربية ضخمة تتنافس، الى أي مدى تعتبر ان لدى هذا المسلسل حظوظاً بالفوز؟
انا بحياتي لم ولا أدخل في موضوع المنافسة، انا أنفذ العمل الفني للذته وأبعاده، ما تحمله هذه القصة أعمق من المنافسة في رمضان، رأينا عدد المشاهدين الذين يتابعونه، عمل تسونامي، هذا ليس عملاً عادياً، نراقب ال feed back وأتمنى أن يستمر بهذه الطريقة، ولكن ألا يكون مدمراً بل جميلاً.
يتابع: كل مسلسل ينال حقه واذا صودف عرض مسلسلين بالتوقيت نفسه يعود المشاهد ويتابعه لاحقاً على غير قناة، المهم أن يصل العمل بهذه الأبعاد التي يتبعها ويصل لكل الناس وانشالله عالمياً لان لديهم تأثير على الانظمة.

لعبت ادواراً عديدة وهذا من أهم الادوار التي لعبتها، ما هو الدور الذي لم تلعبه وقلت يا ريت لعبته؟
هناك ادوار كثيرة وليس دور واحد سيأتي بالتوقيت الصحيح، هناك ادوار رائعة لعبتها أيام الجامعة، بنطاق مسرحي واسع، لم أكن أعلم أنني سألعب دور فؤاد، الدور المناسب سيأتي في الوقت المناسب.

هذا التعاون ليس الأول مع المخرج سمير حبشي.
صحيح، عملنا كثيراً “الليلة الاخيرة” و”مجنون ليلى” و”مشوار” هناك تعاون قديم، بالنسبة لهذا المسلسل، صودف كنا نعمل للسفر الى كندا سوياً، التقينا، قلت له هذا العمل لك، لانني أعرف الأبعاد التي يعطيها والاجواء التي يبتكرها، نابعة من الانسان، أتكيف بفنه وخبرته، لدينا مخرجون ناجحون، لكن هذا العمل أول ما قرأته رأيت فيه صورة سمير حبشي.
وهنا انتهى الحديث ليتابع يورغو مشاهده لذلك النهار الطويل.







