
كتب الدكتور العميد جوزف س. عبيد
سؤال يُطرح اليوم بهدوءٍ مثقل، لا بانفعال، لأن ما نعيشه لم يعد يحتمل الخطاب العابر ولا التسويات المؤقتة.
أين وزارة الثقافة في حماية الفكر اللبناني، والهوية الثقافية التي تُستنزف بصمت؟
وأين وزارة الاقتصاد ووزارة الصناعة في دعم الصناعة الوطنية، وفي تحويل “صُنع في لبنان” من شعارٍ موسمي إلى سياسة ثابتة تحمي الإنتاج المحلي وتمنحه القدرة على الاستمرار؟
وأين وزارة الإعلام من دورها الطبيعي في إطلاق حملة فعلية تعيد الاعتبار إلى تلفزيون لبنان، لا كأرشيف رسمي، بل كمنصّة جامعة قادرة على استعادة الدراما اللبنانية ودعمها، بوصفها صناعة ثقافية واقتصادية في آن؟
أما وزارة الداخلية – المديرية العامة للأمن العام، فالمسألة هنا إجرائية وقانونية بحتة:
هناك شركات إنتاج أجنبية تُصوّر حاليًا في لبنان. السؤال المشروع هو: هل تُطبّق القوانين بحذافيرها؟ هل أذونات العمل للأجانب مطابقة للأشخاص والأدوار؟ وهل تصاريح التصوير تتطابق مع النصوص المنفّذة فعليًا، أم يجري الاعتماد على أذونات سابقة تُستخدم خارج سياقها؟
هذا الكلام ليس استهدافًا للفنان اللبناني، بل على العكس.
الفنان يعرف حجم الجهد المبذول لحمايته، ويعرف أيضًا أن حاجته إلى العمل دفعته أحيانًا لقبول أدوار لا تشبه تاريخه ولا تعبّر عن قدراته. وهو أمر مفهوم في ظل غياب البدائل.
غير أنّ العودة إلى صناعة درامية لبنانية متماسكة لا تزال بعيدة، ما لم تتخذ الدولة قرارًا واضحًا بحزم الأمور، وإلزام شركات الإنتاج بتطبيق القانون عبر وزارة العمل، لا بالاستثناءات بل بالمعايير.
ويبقى سؤال وزارة المال حاضرًا:
هل تُستوفى الرسوم المتوجبة على الفنانين الأجانب قبل مغادرتهم لبنان؟
وهل تُراقَب حركة الأموال بما يضمن الشفافية والعدالة؟
وماذا عن صندوق التعاضد للفنان اللبناني؟
هل لا يزال قائمًا وفاعلًا، أم بات غائبًا عن النقاش العام؟
ثم نصل إلى نموذج بات يتكرّر:
أعمال غير لبنانية في قصتها، مُعرّبة في لغتها، تُنتَج بكلفة مرتفعة، وتُعرض على شاشات لبنانية بنظام التقسيط الشهري.
يبقى السؤال مشروعًا: هل يساهم هذا النموذج في بناء صناعة مستدامة؟ وهل يعيد رأس المال ضمن أطر قانونية واضحة، أم يكرّس واقعًا هشًّا يُدار بلا رؤية طويلة الأمد؟
ما نحتاجه اليوم ليس تصعيدًا في الخطاب، بل وضوحًا في المسؤوليات.
فالصمت لم يعد خيارًا للحديث، بل صار تقصيرًا.
والكلام، حين يكون هادئًا ومسؤولًا، يصبح واجبًا.
ومن هنا، لا بدّ من الانتقال من التشخيص إلى الفعل.
المطلوب أولًا توحيد المرجعيات الرسمية المعنية بالإنتاج الثقافي والدرامي، عبر آلية تنسيق واضحة بين وزارات الثقافة والإعلام والعمل والداخلية والمال، بما يمنع تضارب الصلاحيات أو غياب المحاسبة.
ثانيًا، تشديد الرقابة القانونية على تصاريح التصوير وأذونات العمل، بحيث تتطابق النصوص المصرّح عنها مع ما يُنفّذ فعليًا، ويُربط أي إذن بإطار زمني ومهني واضح.
ثالثًا، حماية الفنان اللبناني عبر إلزام شركات الإنتاج بنسبة تشغيل محلية عادلة، وتفعيل صندوق التعاضد بوصفه شبكة أمان لا شعارًا.
رابعًا، تنظيم العلاقة المالية مع الإنتاج الأجنبي، من خلال استيفاء الرسوم والضرائب المتوجبة، وضمان شفافية حركة الأموال قبل مغادرة أي فريق فني أجنبي.
وأخيرًا، إطلاق سياسة درامية وطنية تعيد الاعتبار لتلفزيون لبنان، وتدعم الإنتاج المحلي بمعايير مهنية، بعيدًا عن الحلول المؤقتة أو التسويات الظرفية.
فهكذا فقط، يتحوّل الكلام من موقف إلى مسار، ومن مطالبة إلى مسؤولية.






